الْجَنَّةَ
الصفقةُ الرابحةُ بينَ
العبدِ وربِّهِ، قالَ تعالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}
فالمُشتري هو اللهُ، والثمنُ الجنةُ، ولهذا كانَ الصحابةُ رضي
اللهُ عنهم يتسابقونَ إلى التضحيةِ والشهادةِ في سبيلِ اللهِ، لما لها من هذه
المكانةِ العظيمةِ، فهذا
حنظلةُ تزوَّجَ حديثًا وقد جامعَ امرأتَهُ في الوقتِ الذي دعا فيه
الداعي للجهادِ، فخرجَ وهو جنبٌ ليسقطَ شهيدًا، فيراهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم
بيدِ الملائكةِ تُغسِّلُهُ، ليُسمَّى بغسيلِ الملائكةِ
وفي غزوةِ بدرٍ، قالَ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ: «قوموا إلى جنَّةٍ
عرضُها السَّماواتُ والأرضُ»، فقالَ عميرُ بنُ الحمامِ
إن ليلة النصف من شعبان من أفضل الليالي بعد ليلة القدر، فعَنْ
أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :” إِنَّ
اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ
خَلْقِهِ , إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ
قال عطاءُ بنُ يسارٍ: ما
من ليلةٍ بعدَ ليلةِ القدرِ أفضلُ من ليلةِ النصفِ من شعبانَ، يتنزَّلُ اللهُ
تبارك وتعالى إلى السماءِ الدنيا، فيغفرُ لعبادِهِ كلِّهم، إلَّا لمشركٍ أو مشاجرٍ
أو قاطعِ رحمٍ.
القلوبِ وسلامتِها من الغلِّ والشحناءِ والبغضاءِ، يُسألُ صلى الله
عليه وسلم: أيُّ الناسِ أفضلُ؟ فيقولُ: “كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ”، فيُقالُ لهُ: صدوقُ اللسانِ نعرفُهُ، فما مخمومُ القلبِ؟ فيقولُ صلى
الله عليه وسلم: “هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ ولا بغيَ ولا غلَّ ولا حسدَ” ويقولُ صلى
الله عليه وسلم: “ألا أُخبرُكم بأفضلَ من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والصدقةِ؟” قالوا: بلى،
قال: “إصلاحُ ذاتِ البينِ، فإنَّ فسادَ ذاتِ البينِ هي الحالقةُ، لا
أقولُ: تحلقُ الشعرَ، ولكن تحلقُ الدينَ”
لذلك أخبرَنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أحاديثَ كثيرةٍ أنَّ الشحناءَ
والبغضاءَ والخصامَ سببٌ لمنعِ المغفرةِ والرحماتِ والبركاتِ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:” تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ
الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ
شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا
هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا
هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (مسلم).
وَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ ذٰلِكَ يَحْلِقُ الْحَسَنَاتِ بَلِ
الدِّينَ كُلَّهُ فَقَالَ:” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ
وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ
تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى
تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا
يُثَبِّتُ ذَالكُمْ لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ “
أيها الإخوةُ المؤمنونَ: إذا كانت القبلةُ قد حُوِّلَتْ ليلةَ النصفِ
من شعبانَ فعلينَا بتحويلِ حالِنَا نحوَ الأفضلِ والأحسنِ.
تحويلُ حالِنَا من ارتكابِ المعاصي والخنا والمسكراتِ والجرائمِ
والفجورِ؛ إلى العبادةِ والطاعةِ والعملِ ليومِ النشورِ.
تحويلُ حالِنَا من الكسلِ والخمولِ والتسكعِ؛ إلى السعيِ والكسبِ
والاجتهادِ وابتغاءِ الرزقِ.
تحويلُ حالِنَا من الحقدِ والغلِّ والحسدِ، إلى الحبِّ والنقاءِ
والإيثارِ والإخاءِ والتراحمِ فيما بيننَا، ولا سيما ونحن مقبلونَ على شهرٍ كريمٍ.
سُئِلَ ابنُ مسعودٍ: كيف كنتم تستقبلونَ رمضانَ؟ قالَ: ما كان أحدُنَا يجرؤُ على
استقبالِ الهلالِ وفي قلبِهِ ذرَّةُ حقدٍ على أخيهِ المسلمِ.
وبالجملةِ تغييرٌ وتحويلٌ شاملٌ جمعهُ اللهُ في قولِهِ: { إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق