الثلاثاء، 27 يناير 2026

الغيبة

لغيبة سبب عذاب القبر

مرّ النبي صلى الله عليه وسلم  بقبرين فقال: «إنهما ليعذَّبان وما يعذّبان في كبير؛ أمّا أحدهما فيعذَّب في البول، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة (

ولذا قال قتادة: " ذُكِر لنا أنَّ عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من النميمة، وثلث من البول ".

لعل الغيبة أشد جُرمًا من الربا!

في مواجهة الغيبة، والاستخفاف بعثرات اللسان، فاجتنبوا ذنوبًا عظيمة وهم يرتكبون ذنوبًا أعظم؛ إلى كل هؤلاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الربا اثنانِ وسبعونَ بابًا أدناها مثلُ إتيانِ الرجُلِ أُمَّهُ، وإِنَّ أربى الرِّبا استطالَةُ الرجلِ في عرضِ أخيهِ)

الغيبة تهدم دينك وأنت لا تشعر!

قال الحسن البصري: " والله للغيبة أسرع في دين الرّجل من الآكِلة في الجسد ".

الغيبة تأكل حسناتك التي تعبت في تحصيلها، وتبدِّدها بعد ما جمعتَها، تبني الجوارح عباداتها في أيام ويهدمها اللسان في ساعات! فاللسان يعمل دون أن يتعب بعكس الجوارح.

قال الغزالي: " والغيبة هي الصاعقة المهلكة للطاعات، ومَثَل من يغتاب كمن ينصب منجنيقًا، فهو يرمي به حسناته شرقًا وغربًا ويمينًا وشمالًا! ".

أخطر حديث عن الغيبة!

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : " حسبك من صفية كذا وكذا "، فقال صلى الله عليه وسلم : «لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَتْ بماء البحر لمزجته (

من المُشاهَد أننا كثيرًا ما نمدح الناس بكثرة صلاتهم وصومهم، لكن قلَّما نمدح أحدًا بعفة لسانه! مع أن حفظ اللسان خيرٌ وأعظم أجرًا لأنه ثمرة العبادات التي تنهى صاحبها عن المنكرات وتصرف عن السيئات.

علامة غفلة عن عيوب النفس

قال الربيع بن خثيم إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس، وأمِنوه على ذنوبهم ".

وصدق رحمه الله، فقد انتشر في مجالسنا قول البعض: نخشى على فلان من عذاب الله، لكنهم لا يخشون عذاب الله من حصائد أفعالهم وأقوالهم!

قال عون بن عبد الله: " ما أحسب أحدًا تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه ".

وكان مالك بن دينار يقول: " كفى بالمرء إثمًا ألا يكون صالحًا، ثم يجلس في المجالس ويقع في عِرْضِ الصالحين ".

ولما قيل لعمر بن عبد العزيز: " ما تقول في أهل صفين؟! "، قال: " تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضِّب بها لساني "،

 لسان حاله:

لعمرك إن في ذنبي لشغلاً *** عن ذنوب بني أمية

على ربي حسابهم إليه *** تناهى علم ذلك لا إليَّ

وليس بضائري ما قد جَنَوْه *** إذا ما الله أصلح ما لديَّ

تحذير الصحابة منها

مرّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على بغل ميِّت فقال لبعض أصحابه::لأن يأكل الرجل من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم ".

عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

وكأنه يدعونا إلى طهارة حقيقية، فيأمرنا بالمضمضة من الكلام الخبيث تشبيها له بالنجاسة الحسية، حتى نتحرَّز منه كما نتحرَّز من القاذورات.

ومثله أم المؤمنين عائشة حين قالت: " يتوضَّأُ أحدُكم من الطَّعام الطَّيِّب، ولايتوضَّأُ من الكلمة الخبيثة، يقولها لأخيه ".

ومثلهما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين قال: " لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إليَّ من أن أتوضأ من طعام طيِّب ".

و الجميع اتفقوا على خطورة الكلمة الخبيثة (ومنها الغيبة)، وضرورة الحذر منها قبل النطق بها،

الغيبة الخفية!

هي غيبة الملتزمين وأصحاب التدين، فإذا ذُكِر عندهم أحد يكرهونه أعرضوا وقالوا: دعوه.

يستر الله علينا وعليه، أو اتركوه لا شأن لنا به، أو نعوذ بالله من الغيبة، وإنما مرادهم الغيبة وانتقاصه، لكنهم يسلكون إليها طريقا غير مباشر.

هؤلاء يتصنعون الشفقة ويتظاهرون بالرحمة، لكن باطنهم السوء وإرادة الغيبة، فيقولون مثلا: فلان طيب! وهم يقصدون أنه مُغفَّل!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون؛ لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفَروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة ".

فواعجبًا كيف لانت الألسنة بالغيبة والنميمة وهما أصل الداء، وفترت عن الذكر؛ وهو شفاء القلوب والأبدان.

كلام الشيطان

الغيبة كبر خفي!

قال الأوزاعي رحمه الله: " إذا سمعت أحدًا يقع في غيره، فاعلم أنه إنما يقول أنا خيرٌ منه ".

الغيبة دَيْنٌ مستحق السداد غدًا!

قال الإمام الأوزاعي: " بلغني أنه يُقال للعبد يوم القيامة: قم فخُذ حقك من فلان، فيقول: ما لي قِبَله حق! فيُقال: بلى.

ذكرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا ".

كفارة الغيبة

ذنب الغيبة يتضمن حقين: حق الله، وحق الآدمي، فالتوبة منه بتحلل الآدمي بالاستغفار له ويستبدل قذفه بذكر عفته وأمانته، ويستغفر له بقدر ما اغتابه.

قال مجاهد: " كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه، وتدعو له بخير ".

وبعضهم يعوِّل على دعاء ختام المجلس ليكفِّر الغيبة؟!

قال الفضيل: " من أراد أن يسلم من الغيبة، فليسد عن نفسه باب الظنون، فمن سلِم من الظن سلم من التجسس، ومن سلِم من التجسس سلِم من الغيبة ".

وأكثرها شيوعًا غيبة الموظفين للمديرين، وغيبة المرؤوسين للكبراء، وغيبة الطلبة للمدرسين.

واجب من سمع الغيبة

قال النووي: " اعلم أنّه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردّها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللّسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كان من أهل الفضل والصّلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر ".

أخي.

أما سعيد بن جبير، فكان لا يدع أحدا يغتاب عنده، وأما محمد بن سيرين، فكانوا إذا ذكروا عنده رجلًا بسيِّئة، ذكره بأحسن ما يعلم.

فاسلك أي الطريقين تصل إلى واحة الشفاء!

وهذا هو ألم يُسمَع في مجلسه غيبة ".

وكانوا يحاسبون أنفسهم على سماع الغيبة ومنهم إبراهيم بن أدهم، فقد دُعِيَ إلى وليمة، فحضر، فذكروا رجلًا لم يأتهم، فقالوا: " إنه ثقيل "، فقال إبراهيم: " أنا فعلت هذا بنفسي؛ حيث حضرت موضعًا يُغتاب فيه الناس "، فخرج، ولم يأكل ثلاثة أيام!

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الطيبون للطيبات

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم   نعم، للآية الكريمة { الطيبون للطيبات والخبيثات للخبيثين } علاقة بالزواج، ...