الأحد، 28 ديسمبر 2025

خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ

 خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، يَلْتَقِي نَسَبُهَا بِنَسَبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. وُلِدَتْ فِي مَكَّةَ قَبْلَ مَوْلِدِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِخَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، نَشَأَتْ فِي بَيْتِ جَاهٍ وَطَهَارَةٍ وَسُلُوكٍ، وَسُمِّيَتْ بِالطَّاهِرَةِ،

اشْتُهِرَتْ خَدِيجَةُ بِرَجَاحَةِ عَقْلِهَا وَكَرِيمِ أَصْلِهَا؛ وَمَا إِنْ بَلَغَتْ سِنَّ الزَّوَاجِ تَزَوَّجَهَا أَبُو هَالَةَ وَعَاشَتْ مَعَهُ قَلِيلًا وَرُزِقَتْ مِنْهُ بِهِنْدٍ وَهَالَةَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ تَارِكًا لَهَا ثَرْوَةً ضَخْمَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِعَتِيقِ بْنِ عَائِذٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا، وَرُزِقَتْ مِنْهُ بِهِنْدٍ.

كَانَتْ خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- تُزَاوِلُ التِّجَارَةَ وَعُرِفَتْ بِحَزْمِهَا وَدِقَّتِهَا، وَكَانَتْ تَسْتَأْجِرُ رِجَالًا كَمَيْسَرَةَ وَغَيْرِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالشَّامِ وَالْيَمَنِ، وَلَمَّا سَمِعَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ تَجْهِيزِهَا تِجَارَةً لِلشَّامِ أَشَارَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِعَرْضِ نَفْسِهِ لِلتِّجَارَةِ مَعَهَا؛ فَوَافَقَتْ وَأَعْطَتْهُ ضِعْفَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ، وَأَرْسَلَتْ مَعَهُ غُلَامَهَا مَيْسَرَةَ، وَأَوْصَتْهُ بِخِدْمَتِهِ وَأَلَّا يُخَالِفَ أَمْرَهُ، وَأَنْ يُرَاقِبَ أَحْوَالَهُ.

وَحَانَتِ الرِّحْلَةُ التِّجَارِيَّةُ إِلَى الشَّامِ وَرَافَقَ مَيْسَرَةُ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِيهَا، وَهُوَ يُتَابِعُ بَعْضَ مَعَالِمِ نُبُوَّتِهِ؛ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَا بُصْرَى الشَّامِ نَزَلَا تَحْتَ شَجَرَةٍ بِقُرْبِ صَوْمَعَةِ الرَّاهِبِ نَسْطُورَ، فَجَاءَهُمَا وَقَالَ لِمَيْسَرَةَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ. قَالَ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ قَطُّ إِلَّا نَبِيٌّ، ثُمَّ قَالَ لِمَيْسَرَةَ: أَفِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا تُفَارِقُهُ، قَالَ: هُوَ هُوَ، وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَا لَيْتَنِي أُدْرِكُهُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ. وَمِمَّا رَآهُ مَيْسَرَةُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِ الرَّسُولَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-مِنَ الشَّمْسِ.

وَلَمَّا بَاعُوا تِجَارَتَهُمْ رَابِحِينَ أَضْعَافًا رَجَعُوا مَكَّةَ قَافِلِينَ فَسُرَّتْ خَدِيجَةُ مِمَّا رَأَتْ وَسَمِعَتْهُ مِنْ مَيْسَرَةَ؛ فَأَضْعَفَتْ لِمُحَمَّدٍ ضِعْفَ مَا سَمَّتْ لَهُ. وَجَاءَتْهَا فِكْرَةُ الزَّوَاجِ مِنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعْجَبَةً بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَمَسَتْهَا فِيهِ؛ فَتَزَوَّجَهَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَعُمْرُهُ حِينَئِذٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ عَامًا وَهِيَ فِي الْأَرْبَعِينَ.

لَقَدْ كَانَتْ لِهَذِهِ الطَّاهِرَةِ الْمُبَارَكَةِ خَصَائِصُ قَلَّ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِهَا؛ فَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصَدَّقَهُ؛ فَكَانَتْ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ دَاخِلَةً فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ الْمَادِحَةِ لِصَحَابَتِهِ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ-.

وَأُمُّنَا خَدِيجَةُ هِيَ خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ؛ فَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ): "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

كَمَا أَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَ بِهَا النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا وَلَا تَسَرَّى؛ تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ"، وَكُلُّ أَوْلَادِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهَا إِلَّا إِبْرَاهِيمَ؛ فَمِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-.

وَخَدِيجَةُ الْحُبُّ الَّذِي رُزِقَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ رَبِّهِ؛ فَقَدْ وَرَدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا".

الزَّوْجَةُ الْوَفِيَّةُ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا سَبَبًا فِي إِغْضَابِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: "مِنْ خَوَاصِّ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: أَنَّهَا لَمْ تَسُوؤْهُ قَطُّ، وَلَمْ تُغَاضِبْهُ، وَلَمْ يَنَلْهَا مِنْهُ إِيلَاءٌ وَلَا عَتْبٌ قَطُّ وَلَا هَجْرٌ، وَكَفَى بِهَذِهِ مَنْقَبَةً، وَمِنْ خَوَاصِّهَا أَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ".

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِ هَذِهِ الْعَظِيمَةِ أَنْ يُرْسِلَ اللَّهُ خَيْرَ أَهْلِ السَّمَاءِ؛ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى خَيْرِ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيَنْقُلَ إِلَيْهَا سَلَامَ صَاحِبِ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ؛ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ وَلَا نَصَبَ".

هَذِهِ الْفَضَائِلُ وَالْمَحَاسِنُ -عِبَادَ اللَّهِ- جَعَلَتْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَحْفَظُ لَهَا حُسْنَ عَهْدِهَا وَوُدِّهَا، وَيَرْعَى مَكَانَتَهَا حَيَّةً وَمَيِّتَةً، وَيُكْرِمُ مَعَارِفَهَا؛ فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ -أُخْتُ خَدِيجَةَ- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةَ...".

وَتَقُولُ أَيْضًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-:) كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ: "إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَهَذِهِ الْمَنْزِلَةُ الَّتِي حَظِيَتْ بِهَا خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَالْمَكَانَةُ الَّتِي تَبَوَّأَتْهَا فِي قَلْبِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ أَثَارَتْ غَيْرَةَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- كَمَا تَحَدَّثَتْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهَا قَالَتْ ): "مَا غِرْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً فَقَطْ؛ بَلْ كَانَتِ الْأُمَّ الْحَنُونَ وَالزَّوْجَةَ الْوَدُودَ وَالرُّكْنَ الشَّدِيدَ وَالدَّاعِمَ الْكَرِيمَ وَالسَّنَدَ الظَّهِيرَ؛ وَدَلَائِلُ ذَلِكَ وَاضِحَةٌ فِي تَضْحِيَاتٍ جَسِيمَةٍ وَإِمْكَانِيَّاتٍ عَظِيمَةٍ فِي سَبِيلِ زَوْجِهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَدَعْوَتِهِ.

فَمِنَ الْإِمْكَانِيَّاتِ الَّتِي سَخَّرَتْهَا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَقْتُهَا وَحَظُّهَا مِنْهُ؛ فَكَمْ غَابَ عَنْهَا قَبْلَ بِعْثَتِهِ وَبَعْدَهَا؛ فَقَبْلَ بِعْثَتِهِ كَانَ يَغِيبُ الْأَيَّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ فِي غَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهَا، وَكَانَتِ الصَّابِرَةَ الْمُقَدِّرَةَ، وَبَعْدَهَا شُغْلُهُ عَنْهَا بِدَعْوَةِ النَّاسِ لِلْإِسْلَامِ وَمُنَابَذَةِ الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَإِذَا عَادَ لِبَيْتِهِ عَادَ مَهْمُومًا أَسِفًا مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ، وَرُبَّمَا عَادَ وَقَدْ آذَاهُ قَوْمُهُ؛ فَيَأْوِي إِلَيْهَا فَتُلْقِي عَلَيْهِ بِحَنَانِهَا وَتَضُمُّهُ بِعَطْفِهَا فَتُهَدِّئُ مِنْ رَوْعِهِ.

وَمِنْ تَضْحِيَاتِهَا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَحَاجَتَهُ مِنْ بَيْتِهَا وَحَتَّى الْغَارِ، تَقْطَعُ مَسَافَاتٍ تَزِيدُ عَنْ خَمْسَةِ كِيلُو وَأَرْبَعِمِائَةِ مِتْرٍ، وَتَصْعَدُ الْجَبَلَ الَّذِي يَبْلُغُ ارْتِفَاعُهُ ثَمَانِمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسِتِّينَ مِتْرًا فَوْقَ سَطْحِ الْبَحْرِ؛ كُلُّ ذَلِكَ دُونَمَا كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ أَوْ تَضَجُّرٍ أَوْ تَبَرُّمٍ.

وَمِنْ أَهَمِّ الْمَوَاقِفِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَأَرْوَعِ الصُّوَرِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي سَخَّرَتْهَا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- مُؤَازَرَتُهَا لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ عَوْدَتِهِ مِنَ الْغَارِ فَزِعًا يَقُولُ: "زَمِّلُونِي"، وَأَخْبَرَهَا بِمَا كَانَ مِنْهُ وَهُوَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ، فَرَدَّتْ رَاجِحَةُ الْعَقْلِ وَصَائِبَةُ الرَّأْيِ: "كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ"، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ إِلَى ابْنِ عَمِّهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ تَسْأَلُهُ فَأَخْبَرَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا رَآهُ فَقَالَ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى.

وَمِنَ الْإِمْكَانِيَّاتِ -أَيْضًا-؛ بَذْلُهَا السَّخِيُّ؛ فَلَقَدْ سَخَّرَتْ مَالَهَا وَثَرَاءَهَا الْوَاسِعَ فِي خِدْمَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْجَاعِ دَعْوَتِهِ؛ فَكَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَفُكُّ مِنْ مَالِهَا الْغَارِمَ وَالْأَسِيرَ، وَيُعْطِي الضَّعِيفَ، وَمَنْ لَا وَالِدَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، وَصَاحِبَ الْعِيَالِ وَالثِّقْلِ؛ قَالَ الزُّهْرِيُّ: "بَلَغَنَا أَنَّ خَدِيجَةَ أَنْفَقَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ‏ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا".

وَلَيْسَتْ هِيَ مَنْ نَقَلَ لَنَا هَذَا الْوَفَاءَ؛ بَلْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَنِ اعْتَرَفَ بِهَذَا الْفَضْلِ قَائِلًا) قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ(

وَهَلْ هُنَاكَ أَعْظَمُ دَعْمًا وَلَا أَنْصَعُ وَفَاءً مِنْ أَنْ تَحْرُسَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَتُعَرِّضَ نَفْسَهَا لِلْمَخَاطِرِ وَتَجْعَلَ نَفْسَهَا دُونَهُ! نَعَمْ فَأُمُّنَا خَدِيجَةُ دَفَعَهَا الْحُبُّ وَحُسْنُ الْوَفَاءِ لِلنَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ تَحْمِيَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلًا وَنَهَارًا؛ بَلْ كَانَتْ تَحْرُسُهُ خَوْفًا مِنْ غَدْرِ قُرَيْشٍ بِهِ مِنْ تَضْحِيَاتِ الْعَفِيفَةِ الطَّاهِرَةِ مَوْقِفُهَا مِنْ حِصَارِ الشِّعْبِ؛ فَلَمْ تُؤْثِرِ الْوَفِيَّةُ نَفْسَهَا عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِتَعِيشَ فِي دَارِهَا مُتْرَفَةَ الْعَيْشِ آمِنَةَ الْجَنَابِ وَهِيَ قَادِرَةٌ؛ فَعَشِيرَتُهَا بَنُو أَسَدٍ أَهْلُ قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ، بَلْ لَحِقَتْ بِزَوْجِهَا وَرَفِيقِ دَرْبِهَا تُشَارِكُهُ الْمَصِيرَ حُلْوَهُ وَمُرَّهُ؛ وَفِي عُمْرِهَا الْمُتَجَاوِزِ السِّتِّينَ شَفِيعٌ لَهَا؛ إِذْ كَانَتْ بِحَاجَةٍ لِمَنْ يَقُومُ عَلَيْهَا.

هَذِهِ الصُّوَرُ الْجَمَالِيَّةُ مِنَ اهْتِمَامِهَا أَثَّرَتْ فِي بَعْضِ قَوْمِهَا، فَكَيْفَ لِامْرَأَةٍ كَانَتْ تُغْدِقُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَيَكُونُ هَذَا جَزَاءَهَا! مِمَّا حَمَلَ بَعْضَهُمْ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهَا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ سِرًّا، وَمَا كَانَتْ لِتَسْتَأْثِرَ نَفْسَهَا بِهَذَا الْعَطَاءِ؛ بَلْ كَانَتْ تُوَزِّعُهُ عَلَى مَنْ مَعَهَا.

قَدَّمَتْ هَذِهِ التَّضْحِيَةَ حَتَّى لَا يُصَابَ جَنَابُ زَوْجِهَا أَوْ تَضْعُفَ هِمَّتُهُ؛ لَقَدْ سَانَدَتْهُ فِي كُلِّ مَا أَهَمَّهُ وَأَغَمَّهُ، فَكَانَ قَلْبُهَا لَهُ وَفَاءً، وَحَدِيثُهَا لَهُ بَلْسَمًا، وَقُرْبُهَا مِنْهُ سَكِينَةً، وَبَيْتُهَا لَهُ أُنْسًا.

فَأَيُّ اصْطِفَاءٍ إِلَهِيٍّ كَرِيمٍ اخْتَارَ لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَامِلَةَ الْأَوْصَافِ، عَرِيقَةَ النُّعُوتِ، ذَاتَ الْعَقْلِ الرَّاجِحِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالسَّرِيرَةِ النَّقِيَّةِ، الشَّهْمَةَ الْكَرِيمَةَ؛ مَنِ اخْتَارَهَا اللَّهُ عَرُوسًا لِنَبِيِّهِ وَمُشِيرًا، وَسَنَدًا وَظَهِيرًا، وَشَرَّفَهَا وَحْدَهَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِحُضُورِ أَوَّلِ الْوَحْيِ؛ فَكَانَتْ أُولَى الْمُؤْمِنَاتِ الصَّابِرَاتِ الْبَاذِلَاتِ؛ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا!

عِبَادَ اللَّهِ: وَمَا فَتِئَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَسْتَرْجِعُ عَافِيَتَهُ بَعْدَ مَوْتِ نَصِيرِهِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى نَزَلَ الْمَوْتُ لِيَأْخُذَ رُوحَ النَّصِيرَةِ الْوَفِيَّةِ فِي الْعَاشِرِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشَرَةٍ مِنَ الْبَعْثَةِ، بَعْدَ حِصَارِ الشِّعْبِ وَعُمْرُهَا خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ عَامًا، وَدَفَنَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ فِي مَقْبَرَةِ الْحَجُونِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ مَشْرُوعَةً حِينَئِذٍ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ خَلَّفَ مَوْتُ هَذِهِ الصِّدِّيقَةِ الصَّابِرَةِ وَالْمُجَاهِدَةِ آلَامًا كَبِيرَةً، وَفَتَحَ جِرَاحًا غَائِرَةً فِي حَيَاتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَقَدْ كَانَ رَحِيلُهَا مُصَابًا جَلَلًا عَلَى جَانِبِهِ الْمَعْنَوِيِّ وَالدَّعْوِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ؛ كَيْفَ لَا! وَهِيَ مَنْ سَجَّلَتْ أَسْمَى صُوَرِ التَّضْحِيَةِ، وَرَسَمَتْ أَبْلَغَ لَوْحَاتِ الْوَفَاءِ؛ خَلَّدَتْ صَفَحَاتٍ مُشْرِقَةً بِالْعَطَاءِ، وَمَوَاقِفَ مُشَرِّفَةً بِالْوَفَاءِ.

تَلْكُمُ هِيَ قُدْوَةُ الْمُؤْمِنَاتِ وَأُسْوَةُ الصَّالِحَاتِ، السَّيِّدَةُ الْكَامِلَةُ خَدِيجَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا)مَنْ وَصَفَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ..."(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَأَيْنَ زَوْجَاتُ وَاقِعِنَا مِنْ وَفَاءِ خَدِيجَةَ وَتَضْحِيَاتِهَا! وَأَيْنَ نِسَاءُ حَاضِرِنَا مِنْ نُصْرَتِهَا وَثَبَاتِهَا! أَيْنَ تِلْكَ الزَّوْجَاتُ اللَّاتِي تَرَكْنَ أَزْوَاجَهُنَّ لِبَلَاءٍ نَزَلَ بِهِمْ أَوْ تَخَلَّيْنَ عَنْهُمْ لِضُرٍّ مَسَّهُمْ! فَلَمْ يَعُودُوا فِي أَنْظَارِهِنَّ صَالِحِينَ أَنْ يَكُونُوا أَزْوَاجًا، إِنَّ مِنَ الزَّوْجَاتِ مَنْ أَقَمْنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يُقْعِدْنَهَا لِأَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ يَوْمًا انْشَغَلُوا عَنْهُنَّ فِي مَصْلَحَةٍ أُخْرَوِيَّةٍ أَوْ إِنْسَانِيَّةٍ؛ فَفَاتَ بِانْشِغَالِهِمْ عَنْهُنَّ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ أَوْ شَخْصِيَّةٌ؛ فَجُنَّ جُنُونُهُنَّ وَرَأَيْنَ فِي أَزْوَاجِهِنَّ عَدَمَ الْكَفَاءَةِ وَرُبَّمَا طَلَبْنَ الطَّلَاقَ.

صَحِيحٌ أَنَّ هَذَا الطِّرَازَ يَصْعُبُ تَكْرَارُهُ، وَنَمُوذَجٌ مُسْتَحِيلٌ عَوْدَتُهُ؛ لَكِنْ حَسْبَ نِسَائِنَا أَنْ يَجْعَلْنَ مِنْ مِثْلِ خَدِيجَةَ قُدْوَةً فِي الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ، وَأُسْوَةً فِي الْوَفَاءِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَمِثَالًا لِلزَّوْجَةِ الْمُخْلِصَةِ الْمُتَفَانِيَةِ الصَّابِرَةِ.

هَذَا صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْمَصِيرِ.

اللَّهُمَّ هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.

الأربعاء، 24 ديسمبر 2025

إسلام عمر بن الخطاب

 إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه

أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلا ، وثلاث وعشرين امرأة ، وقيل : أسلم بعد أربعين رجلا ، وإحدى عشرة امرأة ، وقيل : أسلم بعد خمسة وأربعين رجلا ، وإحدى وعشرين امرأة .
وكان رجلا جلدا منيعا ، وأسلم بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة .
الأخبار الواردة في إسلامه
أخرج الترمذي عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم ; أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل ابن هشام »،
وأخرج أحمد عن عمر قال: (خرجت أتعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة»، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) ) الآيات، فوقع في قلبي الإسلام كل موقع(.
قصة عمر مع ختنه وأخته وسبب تسميته بالفاروق )قصة عمر مع ختنه وأخته رضي الله عنهم( وأخرج أبو نعيم في «الدلائل»، وابن عساكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (سألت عمر - رضي الله عنه -: لأي شيء سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، فخرجت إلى المسجد، فأسرع أبو جهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسبه، فأخبر حمزة، فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل، فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل، فنظر إليه، فعرف أبو جهل الشر في وجهه، فقال: ما لك يا أبا عمارة؟ فرفع القوس فضرب بها أخدعيه فقطعه، فسالت الدماء، فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فانطلق حمزة فأسلم.
وخرجت بعده بثلاثة أيام ; فإذا فلان المخزومي، فقلت: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ قال: إن فعلت.. فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني.
قلت: ومن هو؟ قال: أختك وختنك، فانطلقت فوجدت همهمة، فدخلت، فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته وأدميته، فقامت إلي أختي فأخذت برأسي وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك.
فاستحييت حين رأيت الدماء، فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب، فقالت: إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقمت فاغتسلت، فأخرجوا إلي صحيفة فيها: ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فقلت: أسماء طيبة طاهرة

طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) قال: فتعظمت في صدري وقلت: من هذا فرت قريش؟ ! فأسلمت، وقلت: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فإنه في دار الأرقم.
فأتيت فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر ، قال: عمر ؟ افتحوا له الباب، فإن أقبل.. قبلنا منه، وإن أدبر.. قتلناه، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج، فتشهد عمر ، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة.
قلت: يا رسول الله ; ألسنا على الحق؟ قال: «بلى»، قلت: ففيم الاختفاء؟ فخرجنا صفين: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر ; حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق يومئذ ; وفرق بين الحق والباطل(.
وأخرج ابن سعد، عن ذكوان قالقلت لعائشة : من سمى عمر الفاروق؟ قالت: (النبي صلى الله عليه وسلم).
وأخرج ابن ماجه والحاكم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (لما أسلم عمر.. نزل جبريل فقال: يا محمد ; لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر).
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (لما أسلم عمر.. قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا، وأنزل اللهيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) }
وأخرج البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر).
وأخرج ابن سعد والطبراني عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا فصلينا).
وأخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة: قال: (لما أسلم عمر.. كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربا، فلما قتل عمر .. كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدا).
وأخرج الطبراني عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (أول من جهر بالإسلام: عمر بن الخطاب). إسناده حسن.
وأخرج ابن سعد عن صهيب قال: (لما أسلم عمر - رضي الله عنه -.. ظهر الإسلام، ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به).
قال علماء السيرأسلم عمر في السنة السادسة من النبوة ، وهو ابن ست وعشرين سنة ، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أبي بكر ، وقيل بينه وبين عويم بن ساعدة .

هجرة عمر رضي الله عنه
أخرج ابن عساكر عن علي قال: (ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هم بالهجرة.. تقلد سيفه، وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعا، ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده، وترمل زوجته.. فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه منهم أحد).
وأخرج عن البراء - رضي الله عنه - (قالأول من قدم علينا من المهاجرين: مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو على أثري، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر - رضي الله عنه – معه(

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

حديث تميم الداري عن الدجال

 

عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت :

سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي ، مُنَادِى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، يُنَادِي ( الصَّلاَةَ جَامِعَةً ). فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَكُنْتُ فِى صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِى تَلِى ظُهُورَ الْقَوْمِ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلاَتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ ، فَقَالَ  لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّهُ  . ثُمَّ قَالَ  أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ  ؟

قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ :

« إِنِّى وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلاَ لِرَهْبَةٍ ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيماً الدَّارِىَّ كَانَ رَجُلاً نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ ، وَحَدَّثَنِى حَدِيثاً وَافَقَ الَّذِى كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ ، حَدَّثَنِى أَنَّهُ رَكِبَ فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلاَثِينَ رَجُلاً مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْراً فِى الْبَحْرِ ، ثُمَّ أَرْفَئُوا ( أي : التجؤوا ) إِلَى جَزِيرَةٍ فِى الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، فَجَلَسُوا فِى أَقْرُبِ السَّفِينَةِ ( وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة كالجنيبة يتصرف فيها ركاب السفينة لقضاء حوائجهم ، الجمع قوارب والواحد قارب ) فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ ( أي : غليظ الشعر ) كَثِيرُ الشَّعَرِ ، لاَ يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ ، فَقَالُوا : وَيْلَكِ مَا أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ ( قيل سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال ) . قَالُوا : وَمَا الْجَسَّاسَةُ ؟ قَالَتْ : أَيُّهَا الْقَوْمُ ! انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِى الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ . قَالَ لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلاً فَرِقْنَا ( أي خفنا ) مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً ، قَالَ فَانْطَلَقْنَا سِرَاعاً حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقاً ، وَأَشَدُّهُ وِثَاقاً ، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ ، قُلْنَا : وَيْلَكَ مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي ، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ ، رَكِبْنَا فِى سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ ( أي هاج ) ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْراً ، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ ، فَجَلَسْنَا فِى أَقْرُبِهَا ، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لاَ يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ ، فَقُلْنَا : وَيْلَكِ مَا أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْجَسَّاسَةُ . قُلْنَا : وَمَا الْجَسَّاسَةُ ؟ قَالَتِ : اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِى الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِاْلأَشْوَاقِ . فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعاً ، وَفَزِعْنَا مِنْهَا وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً ، فَقَالَ : أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ . قُلْنَا : عَنْ أَىِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا هَلْ يُثْمِرُ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ . قَالَ : أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لاَ تُثْمِرَ . قَالَ : أَخْبِرُونِى عَنْ بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ ؟ قُلْنَا : عَنْ أَىِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : هَلْ فِيهَا مَاءٌ ؟ قَالُوا : هِىَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ . قَالَ : أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ . قَالَ : أَخْبِرُونِى عَنْ عَيْنِ زُغَرَ ؟ ( وهي بلدة تقع في الجانب القبلي من الشام ) قَالُوا : عَنْ أَىِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ ؟ قَالَ : هَلْ فِى الْعَيْنِ مَاءٌ ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ ؟ قُلْنَا لَهُ : نَعَمْ ، هِىَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا . قَالَ : أَخْبِرُونِى عَنْ نَبِىِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ ؟ قَالُوا : قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ . قَالَ : أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ : كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ ، قَالَ لَهُمْ : قَدْ كَانَ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا نَعَمْ . قَالَ : أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، وَإِنِّى مُخْبِرُكُمْ عَنِّي ، إِنِّى أَنَا الْمَسِيحُ ، وَإِنِّى أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِى فِى الْخُرُوجِ ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِى الأَرْضِ فَلاَ أَدَعَ قَرْيَةً إِلاَّ هَبَطْتُهَا فِى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا ، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أَوْ وَاحِداً مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِى مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتاً يَصُدُّنِى عَنْهَا ، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلاَئِكَةً يَحْرُسُونَهَا . قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِى الْمِنْبَرِ - :  هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ هَذِهِ طَيْبَةُ  . يَعْنِى الْمَدِينَةَ  أَلاَ هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ ؟  . فَقَالَ النَّاسُ :نَعَمْ .

فَإِنَّهُ أَعْجَبنِى حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِى كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ، أَلاَ إِنَّهُ فِى بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ ، لاَ بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ما هُوَ ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ  ( قال القاضي : لفظة ( ما هو  زائدة ، صلة للكلام ، ليست بنافية ، والمراد إثبات أنه فى جهات المشرق ) وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ . قَالَتْ فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

رواه مسلم في صحيحه برقم (2942)

 

جبرُ خاطرُ الرسولِ أغر عليه للنبوة خ ــ اتم          من الله ميمون يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه      إذ قال في الخمس المؤذن أشهد ...