الثلاثاء، 30 يونيو 2015

في أسباب النصر الحقيقية



في أسباب النصر الحقيقية
 المجلس العشرون :
في أسباب النصر الحقيقية
الحمد لله العظيم في قَدْره ، العزيز في قهره ، العالم بحال العبد في سره وجهره ، الجائد على المجاهد بنصره ، وعلى المتواضع من أجله برفعه ، يسمع صريف القلم عند خط سطره ، ويرى النمل يدب في فيافي قفره ، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ، أحمده على القضاء حلوه ومره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقامةً لذكره ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالبر إلى الخلق في بره وبحره ، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر السابق بما وقر من الإيمان في صدره ، وعلى عمر معز الإسلام بحزمه وقهره ، وعلى عثمان ذي النورين الصابر من أمره على مره ، وعلى علي ابن عمه وصهره ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما جاد السحاب بقطره ، وسلم تسليما .
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
لقد نصر الله المؤمنين في مواطن كثيرة في بدر والأحزاب والفتح وحنين وغيرها ، نصرهم الله وفاء بوعده : { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم : 47 ] ، { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }{ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ غافر : 51 - 52 ] ، نصرهم الله لأنهم قائمون بدينه وهو الظاهر على الأديان كلها ، فمن تمسك به فهو ظاهر على الأمم كلها { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ الصف : 9 ] , نصرَهم الله تعالى لأنهم قاموا بأسباب النصر الحقيقية المادية منها والمعنوية ، فكان عندهم من العزم ما برزوا به على أعدائهم أخذا بتوجيه الله تعالى لهم وتمشيا مع هديه وتثبيته إياهم { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }{ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } [ آل عمران : 139 - 140 ] ، { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [ النساء : 104 ] ، { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 35 ] .
فكانوا بهذه التقوية والتثبيت يسيرون بقوة وعزم وجد وأخذوا بكل نصيب من القوة امتثالا لقول ربهم سبحانه وتعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } [ الأنفال : 60 ] ، من القوة النفسية الباطنة والقوة العسكرية الظاهرة نصرهم الله تعالى لأنهم قاموا بنصر دينه { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [ الحج : 40 - 41 ] ، ففي هاتين الآيتين الكريمتين وعد الله بالنصر من ينصره وعدا مؤكدا بمؤكدات لفظية ومعنوية ، أما المؤكدات اللفظية فهي القسم المقدَّر ، لأن التقدير : والله لينصرن الله من ينصره ، وكذلك اللام والنون في لينصرن كلاهما يفيد التوكيد ، وأما التوكيد المعنوي ففي قوله : { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 40 ] ، فهو سبحانه قوي لا يضعف وعزيز لا يذل وكل قوة وعزة تُضَادُّه فستكون ذلا وضعفا , وفي قوله : { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [ الحج : 41 ] , تثبيت للمؤمن
عندما يستبعد النصر في نظره لبعد أسبابه عنده ، فإن عواقب الأمور لله وحده يُغَيِّر سبحانه ما شاء حسب ما تقتضيه حكمته .
وفي هاتين الآيتين بيان الأوصاف التي يُسْتَحَقُّ بها النصر , وهي أوصاف يتحلى بها المؤمن بعد التمكين في الأرض ، فلا يُغريه هذا التمكين بالأشَر والبطر والعلو والفساد ، وإنما يزيده قوة في دين الله وتمسكا به .
* الوصف الأول : { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ } [ الحج : 41 ] ، والتمكين في الأرض لا يكون إلا بعد تحقيق عبادة الله وحده كما قال تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } [النور : 55 ] ، فإذا قام العبد بعبادة الله مخلصا له في أقواله وأفعاله لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة , ولا يريد بها جاها ولا ثناء من الناس ولا مالا ولا شيئا من الدنيا ، واستمر على هذه العبادة المخلصة في السراء والضراء والشدة والرخاء مكَّنَ الله له في الأرض , وإذن فالتمكين في الأرض يستلزم وصفا سابقا عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له وبعد التمكين والإخلاص يكون .
* الوصف الثاني : وهو إقامة الصلاة بأن يؤدي الصلاة على الوجه المطلوب منه قائما بشروطها وأركانها وواجباتها , وتمام ذلك القيام بمستحَبَّاتها , فيحسن الطهور , ويقيم الركوع والسجود والقيام والقعود , ويحافظ على الوقت وعلى الجمعة والجماعات , ويحافظ على الخشوع وهو حضور القلب وسكون الجوارح , فإن الخشوع روح الصلاة ولبها , والصلاة بدون خشوع كالجسم بدون روح ، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الرجل لينصرف وما كُتِبَ له إلا عُشْر صلاته تُسعها ثُمنها سُبعها سُدسها خُمسها رُبعها ثُلثها نِصفها ) (رواه أبو داود والنسائي ، وقال العراقي : إسناده صحيح .) .
الوصف الثالث : إيتاء الزكاة وآتوا الزكاة بأن يعطوها إلى مستحِقِّيها طَيِّبَة بها نفوسهم كاملة بدون نقص يبتغون بذلك فضلا ورضوانا ، فيزكون بذلك أنفسهم ، ويطهرون أموالهم ، وينفعون إخوانهم من الفقراء والمساكين وغيرهم من ذوي الحاجات , وقد سبق بيان مستحِقِّي الزكاة الواجبة في المجلس السابع عشر .
الوصف الرابع : الأمر بالمعروف وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ والمعروف : كل ما أمر الله به ورسوله من واجبات ومستحبات , يأمرون بذلك إحياء لشريعة الله وإصلاحا لعباده واستجلابا لرحمته ورضوانه , فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا , فكما أن المؤمن يحب لنفسه أن يكون قائما بطاعة ربه فكذلك يجب أن يحب لإخوانه من القيام بطاعة الله ما يحب لنفسه .
والأمر بالمعروف عن إيمان وتصديق أن يكون قائما بما أمر به عن إيمان واقتناع بفائدته وثمراته العاجلة والآجلة .
* الوصف الخامس : النهي عن المنكر { وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } , والمنكر كل ما نهى الله عنه ورسوله من كبائر الذنوب وصغائرها مما يتعلق بالعبادة أو الأخلاق أو المعاملة ، ينهون عن ذلك كله صيانة لدين الله وحماية لعباده واتقاء لأسباب الفساد والعقوبة .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبقاء الأمة وعزتها ووحدتها حتى لا تتفرق بها الأهواء وتتشتت بها المسالك , ولذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين على كل مسلم ومسلمة مع القدرة { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ آل عمران : 104 - 105 ] ، فلولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفَرَّق الناس شِيَعًا ، وتمزقوا كل ممزق كل حزب بما لديهم فرحون ، وبه فُضِّلت هذه الأمة على غيرها { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [ آل عمران : 110 ] ، وبتركه { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }{ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [ المائدة : 78 - 79 ] ، فهذه الأوصاف الخمسة متى تحققت مع القيام بما أرشد الله إليه من الحزم والعزيمة وإعداد القوة الحسية حصل النصر بإذن لله { وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [ الروم : 6 - 7 ] , فيحصل للأمة من نصر الله ما لم يخطر لهم على بال , وإن المؤمن الواثق بوعد الله ليعلم أن الأسباب المادية مهما قويت فليست بشيء بالنسبة إلى قوة الله الذي خلقها وأوجدها ، افتخرت عاد بقوتها وقالوا : من أشد منا قوة ؟ فقال الله تعالى : { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ } [ فصلت : 15 - 16 ] ، وافتخر فرعون بِمُلْك مصر وأنهاره التي تجري من تحته فأغرقه الله بالماء الذي كان يفتخر بمثله ، وأورث ملكه موسى وقومه وهو الذي في نظر فرعون مهين ولا يكاد يُبِين .
وافتخرت قريش بعظمتها وجبروتها فخرجوا من ديارهم برؤسائهم وزعمائهم بطرا ورئاء الناس يقولون : لا نرجع حتى نقدم بدرا فننحر فيها الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا ، فهُزِموا على يد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شر هزيمة وسحبت جثثهم جِيَفًا في قليب بدر ، وصاروا حديث الناس في هذا العصر .
لو أخذنا بأسباب النصر وقمنا بواجب ديننا وكنا قدوة لا مقتدين ومتبوعين لا أتباعا لغيرنا ، وأخذنا بوسائل الحرب العصرية بصدق وإخلاص لنصرنا الله على أعدائنا كما نصر أسلافنا , صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا }
[ الأحزاب : 62 ] .
اللهم هيئ لنا من أسباب النصر ما به نصرنا وعزتنا وكرامتنا ورفعة الإسلام وذل الكفر والعصيان ، إنك جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الاثنين، 29 يونيو 2015

في غزوة فتح مكة



في غزوة فتح مكة المجلس التاسع عشر :
في غزوة فتح مكة شرَّفها الله عز وجل
الحمد لله خلق كل شيء فقدَّره ، وعلم مورد كل مخلوق ومصدره ، وأثبت في أم الكتاب ما أراده وسطَّره ، فلا مُؤَخِّر لما قدَّمه ولا مُقَدِّم لما أخَّره ، ولا ناصر لمن خذله ولا خاذل لمن نصره ، تفرَّد بالملك والبقاء ، والعزة والكبرياء ، فمن نازعه ذلك أحقره ، الواحد الأحد الرب الصمد ، فلا شريك له فيما أبدعه وفطره ، الحي القيوم فما أقومه بشؤون خلقه وأبصره ، العليم الخبير فلا يخفى عليه ما أسرَّه العبد وأضمره ، أحمده على ما أَوْلَى من فضله ويَسَّره .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، قَبِلَ توبة العاصي فعفا عن ذنبه وغفره ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أوضح به سبيل الهداية ونوَّره ، وأزال به ظلمات الشرك وقَتَّرَه ، وفتح عليه مكة فأزال الأصنام من البيت وطهَّره ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام البررة ، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بلغ القمر بدره وسرره ، وسلم تسليما .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
كما كان في هذا الشهر المبارك غزوة بدر التي انتصر فيها الإسلام وعلا مناره ، كان فيه أيضا غزوة فتح مكة البلد الأمين في السنة الثامنة من الهجرة ، فأنقذه الله بهذا الفتح العظيم من الشرك الأثيم ، وصار بلدا إسلاميا حل فيه التوحيد عن الشرك ، والإيمان عن الكفر ، والإسلام عن الاستكبار ، أُعْلِنَت فيه عبادة الواحد القهار ، وكُسِرَت فيه أوثان الشرك فما لها بعد ذلك انجبار ، وسبب هذا الفتح العظيم أنه لما تم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش في الحديبية في السنة السادسة ، كان مَنْ أحب أن يدخل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فعل ، فدخلت خُزَاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وكان بين القبيلتين دماء في الجاهلية ، فانتهزت بنو بكر هذه الهدنة فأغارت على خزاعة وهم آمنون ، وأعانت قريش حلفاءها بني بكر بالرجال والسلاح سرا على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدم جماعة منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما صنعت بنو بكر وإعانة قريش لها ، أما قريش فسقط في أيديهم ورأوا أنهم بفعلهم هذا نقضوا عهدهم , فأرسلوا زعيمهم
أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة ، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فلم يَرُدَّ عليه ، ثم كلم أبا بكر وعمر ليشفعا له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُفلح ، ثم كلم علي بن أبي طالب فلم يفلح أيضا ، فقال له : ما ترى يا أبا الحسن ؟ قال : ما أرى شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأَجِرْ بين الناس ، قال : أترى ذلك مُغْنِيًا عني شيئا ؟ قال : لا والله , ولكن ما أجد لك غيره . ففعل أبو سفيان , ثم رجع إلى مكة فقالت له قريش : ما وراءك ؟ قال : أتيت محمدا فكلمته فوالله ما رَدَّ علي شيئا , ثم أتيت ابن أبي قحافة وابن الخطاب فلم أجد خيرا , ثم أتيت عليا فأشار علي بشيء صنعتُه أَجَرْتُ بين الناس , قالوا : فهل أجاز ذلك محمد ؟ قال : لا . قالوا : ويحك , ما زاد الرجل ( يعنون عليا ) أن لعب بك .
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أمر أصحابه بالتَّجَهُّز للقتال , وأخبرهم بما يريد , واستنفر مَنْ حوله من القبائل وقال : " اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نَبْغَتَها في بلادها " , ثم خرج من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل , وولَّى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم , ولما كان في أثناء الطريق لقيه في الْجُحْفَة عمه العباس بأهله وعياله مهاجرا مسلما , وفي مكان يسمى الأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبي أمية , وكانا من أشد أعدائه فأسلما فقَبِلَ منهما , وقال في أبي سفيان : " أرجو أن يكون خَلَفا من حمزة " .
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مكانا يسمى مَرَّ الظَّهْرَان قريبا من مكة أمر الجيش فأوقدوا عشرة آلاف نار , وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وركب العباس بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس أحدا يُبَلِّغ قريشا ليخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيطلبوا الأمان منه ولا يحصل القتال في مكة البلد الأمين ، فبينما هو يسير سمع كلام أبي سفيان يقول لبُديل بن ورقاء : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ، فقال بُديْل : هذه خزاعة ، فقال أبو سفيان : خزاعة أقل من ذلك وأذل ، فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه فقال : ما لك أبا الفضل ؟ قال : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، قال : فما الحيلة ؟ قال العباس : اركب حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك ، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ويحك يا أبا سفيان أما آن أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " فقال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! لقد علمت أن لو كان مع الله غيره لأغنى عني . قال : " أما آن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ " فتَلَكَّأ أبو سفيان ، فقال له العباس : ويحك أَسْلِمْ فأَسْلَمَ وشهد شهادة الحق .
ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى يمر به المسلمون ، فمر به القبائل على راياتها ما تمر به قبيلة إلا سأل عنها العباس فيخبره فيقول : ما لي ولها ؟ حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلها فقال : من هذه ؟ قال العباس : هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عُبَادة معه الراية ، فلما حاذاه سعد قال : أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحَلُّ الكعبة ، ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب وأجَلُّها فيهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ورايته مع الزبير بن العوام ، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أخبره بما قال سعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كذب سعد ولكن هذا يوم يُعَظِّم اللهُ فيه الكعبة ويوم تُكْسَى فيه الكعبة ) (رواه البخاري من قوله : ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس .) ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُؤْخَذَ الراية من سعد وتُدْفع إلى ابنه قيس , ورأى أنها لم تخرج عن سعد خروجا كاملا إذا صارت على ابنه .
ثم مضى صلى الله عليه وسلم ، وأمر أن تُرْكَز رايته بالحجون ، ثم دخل مكة فاتحا مُؤَزَّرا منصورا قد طأطأ رأسه تواضعا لله عز وجل حتى إن جبهته تكاد تمس رحله وهو يقرأ : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [ الفتح : 1 ] ، ويُرَجِّعها ، وبعث صلى الله عليه وسلم على إحدى الْمُجَنِّبتين خالدَ بن الوليد وعلى الأخرى الزبيرَ بن العوام وقال : " من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن " ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد الحرام فطاف به على راحلته ، وكان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم ، فجعل صلى الله عليه وسلم يطعنها بقوس معه ويقول : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [ الإسراء : 81 ] ، { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } [ سبأ : 49 ] (رواه مسلم) ، والأصنام تتساقط على وجوهها ، ثم دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة فإذا فيها صور فأمر بها فمُحِيَت ثم صلى فيها ، فلما فرغ دار فيها وكبر في نواحيها ووحد الله عز وجل ثم وقف على باب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ما يفعل ، فأخذ بعِضادتي الباب
وقال : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وَتَعَظُّمَهَا بالآباء ، الناس من آدم وآدم من تراب { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
[ الحجرات : 13 ] , يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : " فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته : { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } [ يوسف : 92 ] , اذهبوا فأنتم الطلقاء "
 هذه القصة من قوله : ثم وقف على باب الكعبة من زاد المعاد وغيره من كتب السيرة . وكلمة الطلقاء وردت في صحيح البخاري في غزوة الطائف ، قال في فتح الباري : والمراد بالطلقاء - جمع طليق - من حصل من النبي صلى الله عليه وسلم المنَّ عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم ).
ولما كان اليوم الثاني من الفتح قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن الله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب ) (رواه البخاري) ، ( وكانت الساعة التي أحلت فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طلوع الشمس إلى صلاة العصر يوم الفتح ) (رواه أحمد) ، ثم ( أقام صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ولم يصم بقية الشهر ) (رواه البخاري مفرقا) . ؛ لأنه لم ينو قطع السفر ، أقام ذلك لتوطيد التوحيد ودعائم الإسلام وتثبيت الإيمان ومبايعة الناس ، وفي الصحيح : عن مجاشع قال : ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح ليبايعه على الهجرة فقال صلى الله عليه وسلم : " ذهب أهل الهجرة بما فيها ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد ) .
وبهذا الفتح المبين تم نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجا ، وعاد بلد الله بلدا إسلاميا أعلن فيه بتوحيد الله وتصديق رسوله وتحكيم كتابه , وصارت الدولة فيه للمسلمين واندحر الشرك وتبدد ظلامه , ولله الحمد ، وذلك من فضل الله على عباده إلى يوم القيامة .
اللهم ارزقنا شكر هذه النعمة العظيمة ، وحَقِّق النصر للأمة الإسلامية كل وقت في كل مكان ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



الأحد، 28 يونيو 2015

في غزوة بدر




في غزوة بدر المجلس الثامن عشر
الحمد لله القوي المتين ، القاهر الظاهر الملك الحق المبين ، لا يخفى على سمعه خفيف الأنين ، ولا يعزب عن بصره حركات الجنين ، ذل لكبريائه جبابرة السلاطين ، وقضى القضاء بحكمته وهو أحكم الحاكمين ، أحمده حمد الشاكرين , وأسأله معونة الصابرين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إله الأولين والآخرين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على العالمين , المنصور ببدر بالملائكة المنزلين , صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين , وسلم تسليما .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)
وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
في هذا الشهر المبارك نصر الله المسلمين في غزوة بدر الكبرى على أعدائهم المشركين ، وسَمَّى ذلك اليوم يوم الفرقان ؛ لأنه سبحانه فرق فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله والمؤمنين وخذل الكفار المشركين , كان ذلك في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة , وكان سبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أبا سفيان قد توجه من الشام إلى مكة بِعِيرِ قريش , فدعا أصحابه إلى الخروج إليه لأخذ العير ؛ لأن قريشا حَرْبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وأصحابه ليس بينه وبينهم عهد , وقد أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وقاموا ضد دعوتهم دعوة الحق , فكانوا مستحقين لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعيرهم , فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا على فرسين وسبعين بعيرا يعتقبونها , منهم سبعون رجلا من المهاجرين , والباقون من الأنصار , يقصدون العير لا يريدون الحرب ، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا ويتم ما أراد ، فإن أبا سفيان علم بهم فبعث صارخا إلى قريش يستنجدهم ليحموا عيرهم وترك الطريق المعتادة وسلك ساحل البحر فنجا أما قريش فإنهم لما جاءهم الصارخ خرجوا بأشرافهم عن بكرة أبيهم في نحو ألف رجل معهم مائة فرس وسبعمائة بعير { بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } [ الأنفال : 47 ] ، ومعهم القيان يغنين بهجاء المسلمين ، فلما علم أبو سفيان بخروجهم بعث إليهم يخبرهم بنجاته ويشير عليهم بالرجوع وعدم الحرب ، فأبوا ذلك وقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نبلغ بدرا ونقيم فيه ثلاثا ، ننحر الْجَزور ، ونطعم الطعام , ونسقي الخمر , وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا .
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما علم بخروج قريش جمع من معه من الصحابة فاستشارهم وقال : " إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين : إما العير أو الجيش " ، فقام المقداد بن الأسود وكان من المهاجرين وقال : يا رسول الله امض لما أمرك الله عز وجل فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } [ المائدة : 24 ] ، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك , وقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال : يا رسول الله لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم , وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت ، وصِلْ حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالهم ما شئت ، وأعطنا منها ما شئت , وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت , وما أمرت فيه من أمر فأمرنا فيه تبع لأمرك , فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البِرَك من غَمدان لنسيرن معك , ولئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك , وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا , إننا لصبر عند الحرب ، صُدْقٌ عند اللقاء ، ولعل الله يُرِيكَ منا ما تقر به عينك .
فَسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع من كلام المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ، وقال : " سيروا وأبشروا فوالله لَكَأَنِّي أنظر إلى مصارع القوم " ، فسار النبي صلى الله عليه وسلم بجنود الرحمن حتى نزلوا أدنى ماء من مياه بدر ، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ؟ أمنزل أَنْزَلَكَهُ الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " فقال : يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونُغَوِّر ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون ، فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي ونهض هذه القصة أعني نزولهم أدنى ماء من مياه بدر وإشارة الحباب ضعيفة جدا سندا ومتنا . فنزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وقريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة ، وأنزل الله تلك الليلة مطرا كان على المشركين وابلا شديدا ووحلا زلقا يمنعهم من التقدم ، وكان على المسلمين طَلًّا طهرهم ووطَّأ لهم الأرض وشد الرمل ومهد المنزل وثبت الأقدام .
وبنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا على تل مُشْرِف على ميدان الحرب ، ثم نزل صلى الله عليه وسلم من العريش فسوى صفوف أصحابه ، ومشى في موضع المعركة ، وجعل يشير بيده إلى مصارع المشركين ومحلات قتلهم ، يقول : " هذا مصرع فلان إن شاء الله ، هذا مصرع فلان " ، فما جاوز أحد منهم موضع إشارته ، ثم نظر صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وإلى قريش فقال : " اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها وخيلها تُحَادُّك وتكذب رسولك ، اللهم نصرك الذي وعدتني ، اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تُعْبَد ، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعْبَد " ، واستنصر المسلمون ربهم واستغاثوه فاستجاب لهم : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }{ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ } [ الأنفال : 12 - 14 ] ثم تقابل الجمعان , وحَمِيَ الوطيس واستدارت رَحَي الحرب , ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ، ومعه أبو بكر وسعد بن معاذ يحرسانه ، فما زال صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ويستنصره ويستغيثه ، فأغفى إغفاءة ثم خرج يقول : { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ } [ القمر : 45 ] ، وحَرَّضَ أصحابه على القتال وقال : " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقْتَل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة " ، فقام عمير بن الحمام الأنصاري وبيده تمرات يأكلهن فقال : يا رسول الله جنةً عرضها السماوات والأرض ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم " ، قال : بَخٍ بَخٍ يا رسول الله ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء , لئن حَيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، ثم ألقى التمرات وقاتل حتى قُتِلَ رضي الله عنه .
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من تراب أو حصا فرمى بها القوم فأصابت أعينهم ، فما منهم واحد إلا ملأت عينه وشُغِلوا بالتراب في أعينهم , آيةً من آيات الله عز وجل , فهُزِمَ جمعُ المشركين , وولوا الأدبار , واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فقتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين ، أما القتلى فأُلْقِيَ منهم أربعة وعشرون رجلا من صناديدهم في قليب من قلبان بدر , منهم أبو جهل وشيبة بن ربيعة وأخوه عتبة وابنه الوليد بن عتبة , عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة فدعا على هؤلاء الأربعة قال : " فأشهد بالله لقد رأيتُهم صرعى قد غَيَّرتهم الشمسُ » ( رواه البخاري  ), وكان يوما حارا , وعن أبي طلحة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقُذِفوا في طَويٍّ من أطواء بدر خبيث مُخبث ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصة ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ عليها ثم مشى واتبعه أصحابه حتى قام على شَفَة الرَّكِي فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : " يا فلان بن فلان ، ويا فلان بن فلان ، أَيَسُرُّكم أنكم أطعتم الله.
ورسوله , فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ " قال عمر : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " .
وأما الأسرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة فيهم , وكان سعد بن معاذ قد ساءه أمرهم وقال : كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين وكان الإثخان في الحرب أحب إلي من استبقاء الرجال . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه , وتمكنني من فلان - يعني قريبا له - فأضرب عنقه , فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها .
وقال أبو بكر رضي الله عنه : هم بنو العم والعشيرة وأرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار , فعسى الله أن يهديهم للإسلام ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفدية ، فكان أكثرهم يفتدي بالمال من أربعة آلاف درهم إلى ألف درهم ، ومنهم من افتدى بتعليم صبيان أهل المدينة الكتابة والقراءة ، ومنهم من كان فداؤه إطلاق مأسور عند قريش من المسلمين , ومنهم من قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا لشدة أذيته , ومنهم مَنْ مَنَّ عليه بدون فداء للمصلحة .
هذه غزوة بدر انتصرت فيها فئة قليلة عن فئة كثيرة { فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ }
[ آل عمران : 13 ] , انتصرت الفئة القليلة لأنها قائمة بدين الله تقاتل لإعلاء كلمته والدفاع عن دينه فنصرها الله عز وجل ، فقوموا بدينكم أيها المسلمون لِتُنْصَروا على أعدائكم , واصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون .
اللهم انصرنا بالإسلام واجعلنا من أنصاره والدعاة إليه ، وثبتنا عليه إلى أن نلقاك ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .


الطيبون للطيبات

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم   نعم، للآية الكريمة { الطيبون للطيبات والخبيثات للخبيثين } علاقة بالزواج، ...