الخميس، 25 يونيو 2015

ما لا يفطِّر وما يجوز للصائم

المجلس الخامس عشر
في شروط الفطر بالمفطِّرات وما لا يفطِّر وما يجوز للصائم
الحمد لله الحكيم الخالق ، العظيم الحليم الصادق ، الرحيم الكريم الرازق ، رفع السبع الطرائق بدون عمد ولا علائق ، وثبَّت الأرض بالجبال الشواهق ، تعرَّف إلى خلقه بالبراهين والحقائق ، وتكفَّل بأرزاق جميع الخلائق ، خلق الإنسان من ماء دافق ، وألزمه بالشرائع لوصل العلائق ، وسامحه عن الخطأ والنسيان فيما لا يوافق ، أحمده ما سكت ساكت ونطق ناطق ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص لا منافق ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي عمَّت دعوته النازل والشاهق ، صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبه أبي بكر القائم يوم الردة بالحزم اللائق ، وعلى عمر مُدَوِّخ الكفار وفاتح المغالق ، وعلى عثمان ما استحل حرمته إلا مارق ، وعلى علي الذي كان لشجاعته يسلك المضايق ، وعلى آله وأصحابه الذين كل منهم على من سواهم فائق ، وسلم تسليما .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
إن المفطرات السابقة ما عدا الحيض والنفاس ، وهي الجماع والإنزال بالمباشرة والأكل والشرب وما بمعناهما والحجامة والقيء ، لا يُفَطِّر الصائم شيء منها إلا إذا تناولها عالما ذاكرا مختارا ، فهذه ثلاثة شروط :
* الشرط الأول : أن يكون عالما ، فإن كان جاهلا لم يفطر ، لقوله تعالى : { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [ البقرة : 286 ] ، فقال الله : قد فَعَلْتُ (رواه مسلم) ، وقوله تعالى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } [ الأحزاب : 5 ] ، وسواء كان جاهلا بالحكم الشرعي مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مفطر فيفعله ، أو جاهلا بالحال أي بالوقت مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو طالع , أو يظن أن الشمس قد غربت فيأكل وهي لم تغرب , فلا يفطر في ذلك كله , لما رُوِيَ عن عَدِي بن حاتم رضي الله عنه قال : ( لما نزلت هذه الآية : { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ } [ البقرة : 187 ] , عَمدْتُ إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر إليهما , فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت , فلما أصبحت غدوت إلى رسول صلى الله عليه وسلم : فأخبرته بالذي صنعت , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن وسادك إذن لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك ، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل ) (متفق عليه) ، فقد أكل عدي بعد طلوع الفجر ولم يمسك حتى تبين له الخَيْطان , ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء لأنه كان جاهلا بالحكم ، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : ( أفطرنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس ) ( رواه البخاري) ، ولم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء ؛ لأنهم كانوا جاهلين بالوقت , ولو أمرهم بالقضاء لَنُقِلَ لأنه مما تُوَفَّرُ الدواعي على نقله لأهميته , بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة ( حقيقة الصيام ) : إنه نقل هشام بن عروة أحد رواة الحديث عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء ، لكن متى عُلِمَ ببقاء النهار وأن الشمس لم تغب أمسك حتى تغيب .
ومثل ذلك لو أكل بعد طلوع الفجر يظن أن الفجر لم يطلع فتبين له بعد ذلك أنه قد طلع , فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لأنه كان جاهلا بالوقت , وقد أباح الله له الأكل والشرب حتى يتبين له الفجر ، والمباح المأذون فيه لا يؤمر فاعله بالقضاء ، لكن متى تبين له وهو يأكل أو يشرب أن الشمس لم تغرب أو أن الفجر قد طلع أمسك ولفظ ما في فمه إن كان فيه شيء لزوال عذره حينئذ .
* الشرط الثاني : أن يكون ذاكرا , فإن كان ناسيا فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لما سبق في آية البقرة , ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ) (متفق عليه واللفظ لمسلم) ، فَأَمْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بإتمامه دليل على صحته ، ونسبة إطعام الناسي وسقيه إلى الله دليل على عدم المؤاخذة عليه ، لكن متى ذَكَرَ أو ذُكِّرَ أمسك ولفظ ما في فمه إن كان فيه شيء لزوال عذره حينئذ , ويجب على من رأى صائما يأكل أو يشرب أن ينَبِّهه لقوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة : 2 ]
* الشرط الثالث : أن يكون مختارا ، أي : متناولا للمفطر باختياره وإرادته ، فإن كان مكرها فصيامه صحيح ولا قضاء عليه ؛ لأن الله سبحانه رفع الحكم عمن كفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان فقال تعالى : { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ النحل : 106 ] ، فإذا رفع الله حكم الكفر عمن أكره عليه فما دونه أولى ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) (رواه ابن ماجه والبيهقي وحسَّنه النووي) ، فلو أكره الرجل زوجته على الوطء وهي صائمة فصيامها صحيح ولا قضاء عليها ، ولا يحل له إكراهها على الوطء وهي صائمة إلا إن صامت تطوعا بغير إذنه وهو حاضر ، ولو طار إلى جوف الصائم غبار أو دخل فيه شي من الماء بغير اختياره فصيامه صحيح ولا قضاء عليه .
ولا يُفْطِر الصائم بالكحل والدواء في عينه ولو وجد طعمه في حلقه ؛ لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ولا بمعناهما ، ولا يُفطر بتقطير دواء في أذنه أيضا ولا بوضع دواء في جرح ولو وجد طعم الدواء في حلقه ؛ لأن ذلك ليس أكلا ولا شربا ولا بمعنى الأكل والشرب ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة ( حقيقة الصيام ) : ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء ، فعلمنا أنها ليست مفطِّرة ، قال : فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام ، فلو كانت هذه الأمور مما حرمه الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه ، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلَّغوه الأمة كما بلَّغوا سائر شرعه ، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسندا ولا مرسلا عُلِمَ أنه لم يذكر شيئا من ذلك ، والحديث المروي في الكحل يعني ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإثمد الْمُرَوّح عند النوم وقال : " لِيَتَّقِهِ الصائم ) (ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره ، قال أبو داود : قال لي يحيى بن معين : هذا حديث منكر) ، وقال شيخ الإسلام أيضا : والأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبَيِّنها النبي صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولا بد أن تنقلها الأمة ، فإذا انتفى هذا عُلِمَ أن هذا ليس من دينه . انتهى كلامه رحمه الله ، وهو كلام رصين مبني على براهين واضحة وقواعد ثابتة .
ولا يُفْطِر بذوق الطعام إذا لم يبلعه ، ولا بشم الطيب والبخور ، لكن لا يستنشق دخان البخور لأن له أجزاء تصعد فربما وصل إلى المعدة شيء منه ، ولا يفطر بالمضمضة والاستنشاق لكن لا يبالغ في ذلك لأنه ربما تهرَّب شيء من الماء إلى جوفه ، وعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما )
(رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة)
ولا يُفْطِر بالتسوك , بل هو سنة له في أول النهار وآخره كالمفطرين لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )
(رواه الجماعة) ، وهذا عام في الصائمين وغيرهم في جميع الأوقات , ( وقال عامر بن ربيعة رضي الله عنه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي ، وذكره البخاري معلقا بصيغة التمريض ، وحسَّنه الترمذي ، وقال الحافظ ابن حجر في موضع من التلخيص : إسناده حسن .)
ولا ينبغي للصائم تطهير أسنانه بالمعجون لأن له نفوذا قويا ويُخْشَى أن يتسرب مع ريقه إلى جوفه ، وفي السواك غُنْيَة عنه .
ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفِّف عنه شدة الحر والعطش كالتبرُّد بالماء ونحوه , لما رُوِيَ عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا : ( رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بالعُرَج ( اسم موضع ) يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر ) (حديث صحيح رواه مالك وأبو داود) ، وبلَّ ابن عمر رضي الله عنهما ثوبا فألقاه على نفسه وهو صائم , وكان لأنس بن مالك رضي الله عنه حجر منقور يشبه الحوض إذا وجد الحر وهو صائم نزل فيه وكأنه والله أعلم مملوءٌ ماءً ، وقال الحسن : لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم (ذكر هذه الآثار البخاري في صحيحه تعليقا)
إخواني : تفقَّهوا في دين الله لتعبدوا الله على بصيرة فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون , ومن يُرِدِ الله به خيرا يُفَقِّهْهُ في الدين .
اللهم فَقِّهْنَا في ديننا ، وارزقنا العمل به , وثَبِّتْنَا عليه وتَوَفَّنَا مؤمنين ، وألحقنا بالصالحين ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


الأربعاء، 24 يونيو 2015

في مفطرات الصوم

في مفطرات الصوم
الحمد لله المطَّلِع على ظاهر الأمر ومكنونه , العالم بسر العبد وجهره وظنونه , المتفرد بإنشاء العالم وإبداع فنونه , المدبِّر لكل منهم في حركته وسكونه ، أحسن كلَّ شيء وخلق ، وفتق الأسماع وشق الْحَدَق , وأحصى عدد ما في الشجر من ورق , في أعواده وغصونه ، مد الأرض ووضعها ، وأوسع السماء ورفعها , وسَيَّرَ النجوم وأطلعها , في حندس الليل ودجونه ، أنزل القطر وبلا رذاذا , فأنقذ به البذور من اليبس إنقاذا { هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ }
[ لقمان : 11 ] ، أحمده على جوده وإحسانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وسلطانه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المؤيد ببرهانه ، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر في جميع شأنه , وعلى عمر مقلق كسرى في إيوانه , وعلى عثمان ساهر ليله في قرآنه , وعلى علي قالع باب خيبر ومُزَلْزِل حصونه , وعلى آله وأصحابه المجتهدِ كُلٌّ منهم في طاعة ربه في حركته وسكونه , وسلم تسليما .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله

إخواني : قال الله تعالى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [ البقرة : 187 ] . ذكر الله في هذه الآية الكريمة أصول مُفَطِّرات الصوم , وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في السُّنَّة تمام ذلك .
والْمُفَطِّرات سبعة أنواع :
* الأول : الجماع وهو إيلاج الذكر في الفرج ، وهو أعظمها وأكبرها إثما , فمتى جامع الصائم بطل صومه فرضا كان أو نفلا ، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمه مع القضاء الكفّارة المغلّظة ، وهي عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي كأيام العيدين والتشريق , أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر , فإن أفطر لغير عذر ولو يوما واحدا لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع ، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فإطعام ستين مسكينا ، لكل مسكين نصف كيلو وعشرة غرامات من البُرّ الجيد ويجزي الرز عن البر لكن تجب ملاحظة الوزن ، فإن كان الرز أثقل زِيدَ في وزنه بقدره ، وإن كان أخف نقص من وزنه بقدر . وفي الحديث : ( أن رجلا وقع بامرأته في رمضان فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " هل تجد رقبة ؟ " قال : لا . قال : هل تستطيع صيام شهرين ؟ ) ( يعني متتابعين كما في الروايات الأخرى ) ، ( قال : لا . قال : " فأطعم ستين مسكينا ) (رواه مسلم) ، وهو في الصحيحين مطَوَّلا .
* الثاني : إنزال المني باختياره بتقبيل أو لمس أو استمناء أو غير ذلك ؛ لأن هذا من الشهوة التي لا يكون الصوم إلا باجتنابها كما جاء في الحديث القدسي : ( يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ) (رواه البخاري) ، فأما التقبيل والمس بدون إنزال فلا يفطِّر ، لحديث عائشة رضي الله عنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقَبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أَمْلَكَكُمْ لإربه ) (متفق عليه) ، وعن عمر بن أبي سلمة ( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أيُقَبِّل الصائم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " سل هذه " - يعني أم سلمة - , فأخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصنع ذلك ، فقال : يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ) (رواه مسلم) ، لكن إن كان الصائم يخشى على نفسه من الإنزال بالتقبيل ونحوه أو من التدرج بذلك إلى الجماع لعدم قوته على كبح شهوته ، فإن التقبيل ونحوه يحرم حينئذ سدا للذريعة وصونا لصيامه عن الفساد , ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائما خوفا من تسرب الماء إلى جوفه .
وأما الإنزال بالاحتلام أو بالتفكير المجرد عن العمل فلا يفطِّر ؛ لأن الاحتلام بغير اختيار الصائم , وأما التفكير فمعفو عنه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ) (متفق عليه) .
الثالث : الأكل أو الشرب ، وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف أيا كان نوع المأكول أو المشروب ، لقوله تعالى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }
[ البقرة : 187 ] ، والسَّعُوط في الأنف كالأكل والشرب لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث لقيط بن صبرة : ( وبالغ في الاستنشاق ، إلا أن تكون صائما ) (رواه الخمسة وصححه الترمذي) فأما شم الروائح فلا يفطِّر لأنه ليس للرائحة جرم يدخل إلى الجوف .
* الرابع : ما كان بمعنى الأكل والشراب وهو شيئان :
* أحدهما : حقن الدم في الصائم مثل أن يصاب بنزيف فيحقن به دم فيفطر بذلك ؛ لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب ، وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه  .يقول الشيخ ابن عثيمين( هذا ما كنت أراه من قبل ثم ظهر لي أن حقن الدم لا يفطر ؛ لأنه ليس أكلا ولا شربا ولا بمعناهما ، والأصل بقاء صحة الصوم حتى يتبين فساده ؛ لأن من القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالشك ).
الشيء الثاني : الإبر المغذِّية التي يُكْتَفَى بها عن الأكل والشرب فإذا تناولها أفطر ؛ لأنه وإن لم تكن أكلا وشربا حقيقة , فإنها بمعناهما , فثبت لها حكمهما ، فأما الإبر غير المغذية فإنها غير مفطرة سواء تناولها عن طريق العضلات أو عن طريق العروق , حتى ولو وجد حرارتها في حلقه فإنها لا تفطر ؛ لأنها ليست أكلا ولا شربا ولا بمعناهما فلا يثبت لها حكمهما , ولا عبرة بوجود الطعم في الحلق في غير الأكل والشرب , ولذا قال فقهاؤنا : لو لطخ باطن قدمه بحنظل فوجد طعمه في حلقه لم يفطر ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة ( حقيقة الصيام ) : ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن , أو ما كان داخلا من مَنْفَذ , أو واصلا إلى جوف ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مَنَاط الحكم عند الله ورسوله , قال : وإذا لم يكن دليل على تعليق الله ورسوله الحكم على هذا الوصف ، كان قول القائل : إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطرا لهذا قولا بلا علم . انتهى كلامه رحمه الله .
* النوع الخامس : إخراج الدم بالحجامة , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أَفْطَرَ الحاجم والمحجوم ) (رواه أحمد وأبو داود من حديث شداد بن أوس ، قال البخاري : ليس في الباب أصح منه .) ، وهذا مذهب الإمام أحمد وأكثر فقهاء الحديث ، وفي معنى إخراج الدم بالحجامة إخراجه بالفصد ونحوه مما يُؤَثِّر على البدن كتأثير الحجامة , وعلى هذا فلا يجوز للصائم صوما واجبا أن يتبرع بإخراج دمه الكثير الذي يؤثر على البدن تأثير الحجامة إلا أن يوجد مضطر له لا تندفع ضرورته إلا به ، ولا ضرر على الصائم بسحب الدم منه فيجوز للضرورة ويفطر ذلك اليوم ويقضي ، وأما خروج الدم بالرعاف أو السعال أو الباسور أو قلع السن أو شق الجرح أو تحليل الدم أو غرز الإبرة ونحوها فلا يفطر لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها إذ لا يؤثر في البدن كتأثير الحجامة .
* السادس : التقيؤ عمدا وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض )
(رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم) ، ومعنى ذرعه : غلبه ، ويفطر إذا تعمد القيء إما بالفعل كعصر بطنه أو غمز حلقه ، أو بالشم مثل أن بشم شيئا ليقيء به ، أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء ليقيء به فيفطر بذلك كله ، أما إذا حصل القيء بدون سبب منه فإنه لا يضر ، وإذا راجت معدته لم يلزمه منع القيء لأن ذلك يضره , ولكن يتركه فلا يحاول القيء ولا منعه .
* السابع : خروج دم الحيض والنفاس ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة : ( أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ ؟ ) ، فمتى رأت دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء في أول النهار أم في آخره ولو قبل الغروب بلحظة , وإن أحست بانتقال الدم ولم يبرز إلا بعد الغروب فصومها صحيح .
ويحرم على الصائم تناول هذه المفطرات إن كان صومه واجبا كصوم رمضان والكفارة والنذر إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كسفر ومرض ونحوهما ؛ لأن من تلبس بواجب لزمه إتمامه إلا لعذر صحيح , ثم إن تناولها في نهار رمضان لغير عذر وجب عليه الإمساك بقية اليوم والقضاء , وإلا لزمه القضاء دون الإمساك ، أما إن كان صومه تطوعا فإنه يجوز له الفطر ولو بدون عذر ولكن الْأَوْلَى الإتمام .
إخواني : حافظوا على الطاعات ، وجانبوا المعاصي والمحرمات ، وابتهلوا إلى فاطر الأرض والسماوات ، وتعرضوا لنفحات جوده فإنه جزيل الهبات ، واعلموا أنه ليس لكم من دنياكم إلا ما أمضيتموه في طاعة مولاكم ، فالغنيمة الغنيمة قبل فوات الأوان ، والمرابحة المرابحة قبل حلول الخسران .
اللهم وفقنا لاغتنام الأوقات ، واشغلنا بالأعمال الصالحات ، اللهم جُدْ علينا بالفضل والإحسان ، وعاملنا بالعفو والغفران ، اللهم يسِّرْنا لليسرى ، وجنبنا العسرى ، واغفر لنا في الآخرة والْأُولَى ، اللهم ارزقنا شفاعة نبينا وأوردنا حوضه ، واسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا يا رب العالمين
اللهم صَلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين .


الثلاثاء، 23 يونيو 2015

في آداب قراءة القرآن

في آداب قراءة القرآن
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
الحمد لله الذي لشرعه يخضع من يعبد ، ولعظمته يخشع من يركع ويسجد , ولطيب مناجاته يسهر المتهجد ولا يرقد ، ولطلب ثوابه يبذل المجاهد نفسه ويجهد ، يتكلم سبحانه بكلامٍ يَجِلُّ أن يُشابه كلام المخلوقين ويبعد ، ومن كلامه كتابه المنزل على 
نبيه أحمد نقرؤه ليلا ونهارا ونردد ، فلا يخلق عن كثرة الترداد ولا يُمَلُّ ولا يُفَنَّد ، أحمده حمد من يرجو الوقوف على بابه غير مُشَرَّد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أخلص لله وتعبَّد ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام بواجب العبادة وتَزَوَّد ، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصديق الذي ملأ قلوب مبغضيه قرحات تنفد , وعلى عمر الذي لم يزل يُقَوِّي الإسلام ويعضد , وعلى عثمان الذي جاءته الشهادة فلم يتردد , وعلى علي الذي ينسف زرع الكفر بسيفه ويحصد , وعلى سائر آله وأصحابه صلاة مستمرة على الزمان المؤبَّد , وسلم تسليما .
إخواني : إن هذا القرآن الذي بين أيديكم تتلونه وتسمعونه وتحفظونه وتكتبونه ، هو كلام ربكم رب العالمين ، وإله الأولين والآخرين ، وهو حبله المتين ، وصراطه   المستقيم ، وهو الذكر المبارَك والنور المبين ، تكلَّم الله به حقيقة على الوصف الذي يليق بجلاله وعظمته ، وألقاه على جبريل الأمين أحد الملائكة الكرام المقربين ، فنزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، وصفه الله بأوصاف عظيمة لتعظموه وتحترموه فقال تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [ البقرة : 185 ] ، { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ } [ آل عمران : 58 ] ، { يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } [ النساء : 174 ] ، { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ }{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ } [ المائدة : 15 - 16 ] ، { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ يونس : 37 ] ، { يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ يونس : 57 ] .
{ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } [ هود : 1 ] ، { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ، { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ }{ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الحجر : 87 - 88 ] ، { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [ النحل : 89 ] ، { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا }{ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [ الإسراء : 9 - 10 ] ، { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [ الإسراء : 82 ] ، { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا
بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [ الإسراء : 88 ] ، { مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى }{ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى }{ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا } [ طه : 2 - 4 ] .
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } [ الفرقان : 1 ] ، { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ }{ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ }{ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ }{ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ }{ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ }{ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } [ الشعراء : 192 - 197 ] ، { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ }{ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } [ الشعراء : 210 - 211 ] ، { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ   الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [ العنكبوت : 49 ] ، { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ }{ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ يس : 69 - 70 ] ، { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ ص : 29 ] .

قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } [ ص : 67 ] ، { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ } [ الزمر : 23 ] ، { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ }{ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 41 - 42 ] ، { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } [ الشورى : 52 ] ، { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } [ الزخرف : 4 ] ، { هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [ الجاثية : 20 ] ، { وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } [ ق : 1 ] ، { فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ }{ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ }{ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ }{ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ }{ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الواقعة : 75 - 80 ] ، { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [ الحشر : 21 ] ، وقال تعالى عن الجن : { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } [ الجن : 1 ] ، وقال تعالى : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ }{ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } [ البروج : 21 - 22 ] .
فهذه الأوصاف العظيمة الكثيرة التي نقلناها وغيرها مما لم ننقله تدل كلها على عظمة هذا القرآن ، ووجوب تعظيمه والتأدب عند تلاوته ، والبعد حال قراءته عن الْهُزْء واللعب .
فمن آداب التلاوة إخلاص النية لله تعالى فيها ؛ لأن تلاوة القرآن من العبادات الجليلة كما سبق بيان فضلها ، وقد قال الله تعالى : { فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } [ غافر : 14 ] ، وقال تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ } [ البينة : 5 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اقرءوا القرآن وابتغوا به وجه الله عز وجل من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه ) (رواه أحمد , وإسناده حسن) ، ومعنى يتعجلونه يطلبون به أجر الدنيا .
ومن آدابها : أن يقرأ بقلب حاضر يتدبر ما يقرأ ويتفهم معانيه ، ويخشع عند ذلك قلبه ، ويستحضر بأن الله يخاطبه في هذا القرآن لأن القرآن كلام الله عز وجل .
ومن آدابها : أن يقرأ القرآن على طهارة لأن هذا من تعظيم كلام الله عز وجل ، ولا يقرأ القرآن وهو جنب حتى يغتسل إن قدر على الماء ، أو يتيمم إن كان عاجزا عن استعمال الماء لمرض أو عدم ، وللجنب أن يذكر الله ويدعوه بما يوافق القرآن إذا لم يقصد القرآن ، مثل أن يقول : ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .
* ومن آدابها : أن لا يقرأ القرآن في الأماكن المستقذرة ، أو في مجمع لا يُنْصَت فيه لقراءته لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له ، ولا يجوز أن يقرأ القرآن في بيت الخلاء ونحوه مما أعد للتبول أو التغوط لأنه لا يليق بالقرآن الكريم .
* ومن آدابها : أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند إرادة القراءة لقوله تعالى : { 
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [ النحل : 98 ] ، ولئلا يصده الشيطان عن القراءة أو كمالها ، وأما البسملة فإن كان ابتداء قراءته من أثناء السورة فلا يُبَسْمِل ، وإن كان من أول السورة فليبسمل إلا في سورة التوبة فإنه ليس في أولها بسملة ؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم حين كتابة المصحف هل هي سورة مستقلة أو بقية الأنفال ؟ ففصلوا بينهما بدون بسملة , وهذا الاجتهاد هو المطابِق للواقع بلا ريب , إذ لو كانت البسملة قد نزلت في أولها لبقيت محفوظة بحفظ الله عز وجل , لقوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] .
ومن آدابها : أن يُحَسِّن صوته بالقرآن ويَتَرَنَّمَ به , لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أذن الله لشيء أي : ما استمع لشيء ) كما أذن لنبي حسن الصوت يَتَغَنَّى بالقرآن يجهر به ) (متفق عليه) ، ( وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحد أحسن صوتا أو قراءة منه ) صلى الله عليه وسلم (متفق عليه) ، لكن إن كان حول القارئ أحد يتأذى بجهره في قراءته كالنائم والمصلي ونحوهما فإنه لا يجهر جهرا يشوش عليه أو يؤذيه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال : ( إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض في القرآن ) () رواه مالك في الموطأ , قال ابن عبد البر : وهو حديث صحيح .) .
ومن آدابها : أن يرتل القرآن ترتيلا , لقوله تعالى : { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } [ المزمل : 4 ] ، فيقرأه بتمهل بدون سرعة ؛ لأن ذلك أعون على تدبر معانيه وتقويم حروفه وألفاظه ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ( أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كانت مَدًّا , ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم , يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم ) (رواه البخاري) ، ( وسئلت أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : كان يُقَطِّع قراءته آية آية , { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } * { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } * { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } * { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لا تنثروه نثر الرمل ولا تهذُّوه هَذَّ الشعر , قفوا عند عجائبه ، وحرِّكوا به القلوب , ولا يكن هَمُّ أحدكم آخر السورة ، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ : بإسقاط بعض الحروف أو إدغام ما لا يصح إدغامه , فإن كان فيها إخلال باللفظ فهي حرام لأنها تغيير للقرآن .
ومن آدابها : أن يسجد إذا مر بآية سجدة وهو على وضوء في أي وقت كان من ليل أو نهار , فيكبِّر للسجود ويقول : سبحان ربي الأعلى , ويدعو , ثم يرفع من السجود بدون تكبير ولا سلام , لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم , إلا أن يكون السجود في أثناء الصلاة فإنه يكبر في الصلاة إذا سجد وإذا قام ( لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يكبر كلما خفض ورفع ، ويُحَدِّث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ) (رواه مسلم) ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ) رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود ) (رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه) ، وهذا يعم سجود الصلاة وسجود التلاوة في الصلاة .
هذه بعض آداب القراءة فتأَدَّبوا بها واحرصوا عليها وابتغوا بها من فضل الله .
اللهم اجعلنا من المعظِّمين لحرمتك , الفائزين بهباتك , الوارثين لجناتك , واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

الطيبون للطيبات

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم   نعم، للآية الكريمة { الطيبون للطيبات والخبيثات للخبيثين } علاقة بالزواج، ...