الجمعة، 19 يونيو 2015

من حِكَم الصيام




في حِكَم الصيام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
أما بعد ... فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (آل عمران102)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً(70)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب 71)

وبعد:ـ أيها الأخوة الأعزاء

يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه له الحكم التام والحكمة البالغة فيما خَلَقَهُ وفيما شَرَعَهُ ، فهو الحكيم في خَلْقِهِ وفي شَرْعِهِ ، لم يخلق عباده لعبا ، ولم يتركهم سُدًى ، ولم يُشَرِّع لهم الشرائع عبثا ، بل خلقهم لأمر عظيم ، وهيَّأهم لخطب جسيم ، وبيَّن لهم الصراط المستقيم ، وشرع لهم الشرائع يزداد بها إيمانهم ، وتكمل بها عبادتهم ، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمة بالغة ، عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلَها ، وليس جهلنا بحكمة شيء من العبادات دليلا على أنه لا حكمة لها ، بل هو دليل على عجزنا وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانه { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } [ الإسراء : 85 ] .
وقد شرع الله العبادات ونظَّم المعاملات ابتلاء وامتحانا لعباده ليتبين بذلك من كان عابدا لمولاه ممن كان عابدا لهواه ،
فمن حِكَم الصيام : أنه عبادة لله تعالى يتقرَّب العبد فيها إلى ربه بترك محبوباته ومشتَهَيَاته من طعام وشراب ونكاح ، فيظهر بذلك صدق إيمانه وكمال عبوديته لله وقوة محبته له ورجائه ما عنده ، فإن الإنسان لا يترك محبوبا له إلا لما هو أعظم عنده منه ، ولما علم المؤمن أن رضا الله في الصيام بترك شهواته المجبول على محبتها قَدَّم رضا مولاه على هواه فتركها أشد ما يكون شوقا إليها ؛ لأن لذته وراحة نفسه في ترك ذلك لله عز وجل ، ولذلك كان كثير من المؤمنين لو ضُرِب أو حُبِس على أن يفطر يوما من رمضان بدون عذر لم يُفْطِر ، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام وأعظمها .
ومن حِكَم الصيام : أنه سبب للتقوى كما قال سبحانه وتعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة : 183 ] ، فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات واجتناب المعاصي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) ( رواه البخاري ) . وإذا كان الصائم متلبِّسا بالصيام فإنه كلما هَمَّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها ؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصائم أن يقول لمن سابَّه أو شاتمه : ( إني امرؤ صائم ) ، تنبيها له على أن الصائم مأمور بالإمساك عن السب والشتم ، وتذكيرا لنفسه بأنه متلبس بالصيام فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتم .
* ومن حكم الصيام : أن القلب يتخلى للفكر والذكر ، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة ، وربما يُقَسِّي القلب ويُعْمِي عن الحق ، ولذلك أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التخفيف من الطعام والشراب ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) ( رواه أحمد والنسائي وابن ماجه , وقال الترمذي : حديث حسن صحيح وصححه أيضا الحاكم .) ، وفي الحديث ( أن حنظلة الأسيدي - وكان من كُتَّاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال للنبي صلى الله عليه وسلم : نافق حنظلةُ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما ذاك ؟ " قال : يا رسول الله نكون عندك تذَكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأيُ عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا ) ( رواه مسلم ) . وفيه : ( ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ) ثلاث مرات ، وقال أبو سليمان الدارني : إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق ، وإذا شبعت عَمِيَ القلب .
* ومن حكم الصيام : أن الغني يعرف به قدر نعمة الله عليه بالغنى حيث أنعم الله تعالى عليه بالطعام والشراب والنكاح ، وقد حُرِمَها كثير من الخلق فيحمد الله على هذه النعمة ويشكره على هذا التيسير , ويذكر بذلك أخاه الفقير الذي ربما يبيت طاويا جائعا فيجود عليه بالصدقة يكسو بها عورته ويسد بها جوعته , ولذلك ( كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيُدارِسه القرآن ) .
ومن حكم الصيام : التَّمَرُّن على ضبط النفس , والسيطرة عليها , والقوة على الإمساك بزمامها حتى يتمكن من التحكم فيها ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها , فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي , فإذا أطلق المرء لنفسه عنانها أوقعته في المهالك , وإذا ملك أمرها وسيطر عليها تمكن من قيادتها إلى أعلى المراتب وأسنى المطالب .
* ومن حكم الصيام : كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق ، فإن الشبع والري ومباشرة النساء يحمل كل منها على الأشَر والبطر والعلو والتكبر على الخلق وعن الحق ، وذلك أن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها ، فإذا تمكَّنَت منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سببا لهلاكها ، والمعصوم من عصمه الله تعالى .
* ومن حكم الصيام : أن مجاري الدم تضيق بسبب الجوع والعطش فتضيق مجارى الشيطان من البدن فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان ، وتنكسر سَوْرَة الشهوة والغضب ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء ) ، فجعل الصوم وجاء لشهوة النكاح وكسرا لحدتها .
* ومن حكم الصيام : ما يترتب عليه من الفوائد الصحية التي تحصل بتقليل الطعام وإراحة جهاز الهضم لمدة معينة ومنع ترسب بعض الرطوبات والفضلات الضارة بالجسم وغير ذلك .
فما أعظم حكمة الله وأبلغها وما أنفع شرائعه للخلق وأصلحها .
اللهم فَقِّهْنَا في دينك ، وألهمنا معرفة أسرار شريعتك ، وأصلح لنا شؤون ديننا ودنيانا ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الخميس، 18 يونيو 2015

شهر رمضان شهر الجود



شهر رمضان شهر الجود
قاله محمد بن سليمان
عباد الله ـ وشهر رمضان شهر الجود والعطاء والصدقة؟!
الصوم ـ عباد الله ـ فريضة من فرائض الإسلام، وحصنٌ حصينٌ من الشهوات وجُنّةٌ من النار، سلك الناس معه مسالك شتى وطرقًا متفرقةً، لا تجتمع أبدًا، فمن الناس من ينظر إلى رمضان على أنه حرمانٌ من اللذات والشهوات، يصوم عن الطعام والشراب على مضضٍ، وربما لا يتورع عن غيبةٍ ولا يتنزه عن نميمةٍ، وجهُه مُحمَر، وصدره ضيق، قد سَئِمَ ذكرَ رمضان، فهو أثقل الشهور عليه، يكابد فيه العناء من الجوع والمشقة من العطش، لا يَرى في رمضان إلا ِوثاقًا مشدودًا أمام رغباته وشهواته.
ومن الناس ـ عباد الله ـ من ينظر إلى رمضانَ على أنه موسمٌ للبطون، ومضمارٌ تتنافس فيه الموائدُ الزاخرة بصنوف الأطعمة وألوان الأشربة، فتراهم قبل دخول هلال رمضان يفزعون إلى الأسواق من كل فج عميق، يكيلون من الأطعمة ويتزودون من الكماليات، وكأن رمضانَ حفلةُ زفاف أو وليمة ُنجاح تُبسط فيها الموائدُ العريضة، وتنشر الأطعمة المتنوعة، ثم ترمى في النفايات، ناهيك عن جلب المأكولات من الأطعمة ومحلات الوجبات السريعة.
ومن الناس ـ عباد الله ـ من جعل رمضان فرصة سانحة للَّهو والسمر والسهر، ثم انطراح في الفراش كالموتى إلى الغروب، لا بصيام يتلذذون، ولا بقيام يعبدون، ليلهم ضياع، ونهارهم خسران، بين مجالس الغيبة والنميمة، وبين قنوات البث المباشر بخيماته الماجنة وفوازيره الضائعة، فسبحان الله! ماذا يستفيد هؤلاء من شهر الطاعة والمغفرة؟!
انظروا ـ عباد الله ـ إلى الشباب الضائعين التائهين الذين يعيشون في رمضان سبهللاً في الشوارع، يتصيدون عثرات الناس، ويتتبعون عوراتهم، ويؤذونهم في الطرق والممرات والمساجد، يعاكسون ويشاكسون، وفئام من الناس لا يعرفون الله إلا في رمضان، فكم ممن يدّعي الإسلام ويجاور مساجدَ الله لم يُرَ فيها مصلّيًا إلا في رمضان، وبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، وإن تعجب فعجب حال هؤلاء الذين فرقوا بين رب الشهور وهو واحد، وحكموا على أنفسهم بالنفاق، وأشهدوا الناس على سوء صنيعهم، إذا جاء رمضان رأيتَهم ركعًا سُجدًا خاشعين ضارعين، قد صفدت شياطينهم وطابت نفوسهم، فإذا انسلخ رمضان ولوا على أدبارهم نفورًا، ونكصوا على أعقابهم، وعادوا لما نُهوا عنه من المعاصي والآثام، حتى إن السنة لتمضي ولم يُرَ أحدُهم في المساجد مع المصلين، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].
وخير الناس ـ عباد الله ـ من ينتظرون رمضان بفارغ الصبر، وتزداد فرحتهم بدخوله، فيشمرون عن ساعد الجد، ويجتهدون في الطاعة بشتى أنواعها، من صيام وقيام وتلاوة وتسبيح واستغفار وذكر وتصدق وإحسان.
وهكذا كان حال السلف، يستقبلون رمضان بالبكاء من خشية الله سبحانه وتعالى، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويسألون الله قبوله منهم والعفو عنهم فيه والتجاوز عن سيئاتهم.


الطيبون للطيبات

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم   نعم، للآية الكريمة { الطيبون للطيبات والخبيثات للخبيثين } علاقة بالزواج، ...